الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين ،أما بعد
فهذا موضوع متعلق بمنهج السلف في معاملة ولاة الأمور رأيت من المفيد إن شاء الله أن أكتبه وذلك بسبب ما رأيته في بعض الساحات من نقاش حول هذا الأمر والذي يظهر في بعضها الحماس الغير منضبط بالشرع ، وقد كتب في هذا الموضوع كثير من أهل العلم قديماً وحديثاً، فقد كتب عنه قديماً شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في رسالته " قاعدة مختصرة في طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمور "وقد طبعت ضمن " مجموع الفتاوى" ( 35 / 5 – 17) ثم طبعت في رسالة مستقلة بتحقيق الشيخ عبد الرزاق العباد- حفظه الله- ، وممن كتب في هذا الموضوع في العصر الحاضر الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز ـ رحمه الله ـ في عدة مواضع من "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة " وكذلك كتب الشيخ محمد السبيل إمام الحرم المكي رسالة بعنوان "الأدلة الشرعية في بيان حق الراعي والرعية " وقد كتب الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز ـ رحمه الله ـ تقريظ لهذه الرسالة ، كما كتب الشيخ عبد السلام بن برجس ـ حفظه الله ـ كتاب بعنوان "معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة" .
وقد جمعت أكثر مادة هذا الموضوع من كتاب الشيخ عبد السلام بن برجس ـ حفظه الله ـ "معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة ".
وقبل أن أبدأ في الموضوع أنبه إلى أن هذا الموضوع موجه إلى بعض الإخوة الأفاضل الذين أتفق معهم في عدم تكفير ولاة الأمور في هذه البلاد – المملكة العربية السعودية ـ ولكن أختلف معهم في بعض طرق الإصلاح وطريقة النصح لولاة الأمور ، والآن أبدأ في الموضوع فأقول وبالله التوفيق :
أولاً : الأمر بطاعة ولاة الأمر في غير معصية الله
السمع والطاعة لولاة الأمر من المسلمين في غير معصيةٍ مجمعٌ على وجوبه عند أهل السنة والجماعة ، وهو أصلٌ من أصولهم التي باينوا بها أهل البدع والأهواء .
وقل أن ترى مؤلفاً في عقائد أهل السنة إلا وهو ينص على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر ، وإن جاروا وظلموا ، وإن فسقوا وفجروا .
والإجماع الذي انعقد عند أهل السنة والجماعة على وجوب السمع والطاعة لهم مبنيٌ على النصوص الشرعية الواضحة التي تواترت بذلك ، فمن تلك النصوص ما يلي :
1ـ قال تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً[ (النساء:59) .
قال الإمام النووي ـ رحمه الله ـ في "شرح صحيح مسلم" ( 12/223 ) : ( المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء ، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم ، وقيل : هم العلماء ، وقيل : هم الأمراء والعلماء .. ) اهـ .
وقال الإمام الطبري ـ رحمه الله ـ في " تفسيره " ( 5/150 ) : ( وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : هم الأمراء والولاة لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعةً ، وللمسلمين مصلحة ... إلخ
وقال العلامة السعدي ـ رحمه الله ـ في "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" ( 2/ 89 ) : ( وأمر بطاعة أولي الأمر ، وهم الولاة على الناس من الأمراء والحكام والمفتين ، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم طاعة لله ، ورغبة فيما عنده ، ولكن بشرط أن لا يأمروا بمعصيةٍ ، فإن أمروا بذلك ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عند الأمر بطاعتهم ، وذكره مع طاعة الرسول فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة الله ، ومن يطعه فقد أطاع الله ، وأما أولو الأمر فَشَرْطُ الأمر بطاعتهم أن لا يكون معصية ) اهـ
يتبع إن شاء الله
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires - Recommander